عوده الى الصفحة الرئيسية

 

فقه الجهاد

وفيه إحدى عشرة مادة :

المادة الأولى: في حُكم الجِهاد وبَيَانِ أنواعِهِ؛ والحِكمَةِ فيهِ:

         أ‌-        حُكمُ الجِهادِ:

حكم الجهاد الخاص الذي هو قتال الكفّار و المحاربين فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر، و ذلك لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة:122ٍ] ،غير أنّه يتعيّن على من عيّنهﹸ الإمامُ فيصبحٌ فرضٌ عينِ في حقِّه ، لقوله صلى الله عليه وسلم: ‹‹ وَ إِذَا اسْتَنْفَرْتٌمْ فَانْفِرٌوا ›› ٰ. وكذا إذا داهم العدّو بلداً فإنه يتعين على أهلها حتى النساء منهم مدافعته و قتاله.

       ب‌-      أنواعٌ الجِهاَدِ:

1.  جهاد الكفار والمحاربين، ويكون باليد، والمال، واللسان، والقلب لقوله : « جَاهِدٌوا المٌشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكٌمْ وَ أَنْفٌسِكٌمْ وَ أَلْسِنَتِكٌمْ » ².

2.  جهاد الفسّاق، و يكون باليد واللسان والقلب، لقوله: « مَنْ رَأَى مِنْكٌمْ مٌنْكَراً فَلْيٌغَيِّرْهٌ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَ ذَلِكَ أَضْعَفٌ الإِيمَانْ».

3.  جهاد الشيطان، ويكون بدافع ما يأتي به من الشبهات، وترك ما يٌزيِّنهٌ من الشهوات، لقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [فاطر:5] وقوله سبحانه : ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر:6].

4.  جهاد النفس، ويكون بحملها على أن تتعلم أمور الدين وتعمل بها وتٌعلِّمها، وبصرفها عن هواها ومقاومة رٌعٌونَاتِهَا.

               وجهاد النفس من أعظم أنواع الجهاد حتى قيل فيه: « الجِهَادٌ الأَكْبَرٌ»³.

  جـ- حِكْمَةٌ الجِهَادِ:

الحكمة في الجهاد في أنواعه: أن يعبد الله وحده مع ما يتبع ذلك من دفع العدوان والشر، و حفظ الأنفس والأموال، و رعاية الحق وصيانة العدل، وتعميم الخير ونشر الفضيلة، قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الأنفال:39].

 

المادة الثانية: في فضل الجهاد:

ورد في فضل الجهاد والاستشهاد في سبيل الله تعالى من الأخبار الإلهيَّة الصّادقة و الأحاديث النبويّة الصّحيحة الثّابتة ما يجعل الجهاد من أعظم القرب و أفضل العبادات، و من تلك الأخبار الإلهيّة و الأحاديث النبويّة قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:111].

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ [الصّف:4]. وقوله عزّ وجلّ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‹10› تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ‹11› يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‹12› ﴾ [الصف:10-12]. وقوله سبحانه في فضل المجاهدين المستشهدين :﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ‹169› فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ‹170› ﴾ [آل عمران:169-170].

 

ٰ- رواه البخاري [3/18]. رواه مسلم في الإجارة [85 . 86] رواه ابن ماجة [2773] . ورواه الإمام أحمد [1/226].

²- رواه الإمام أحمد [3/124 . 251] . ورواه أبو داود [2504] . ورواه النسائي [6/7].

³- حديث ضعيف رواه البيهقي و الخطيب في تاريخه عن جابر – رضي الله عنه-  قدمتهم خير مقدم، وقدمتهم من الجهاد الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؟ قال: «مجاهدة العبد هواه». 

 

وقول الرسول وقد سئل عن أفضل الناس ؟ فقال: « مُؤْْمِنٌ يُجََاهِدُ بِنَفْسِهِ وَ مَالِهِ في سَبِيلِ الله تعَالَى، ثُمَّّ مُؤْْمِنٌ في شعبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ الله و يَدَعُ النَّاسَ من شَّّرِّه » ٰ. وقوله: « مَثَلُ المُجَاهِدِ في سبيلِ الله و الله أعلمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ في سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، و تَوَكَّلَ اللهُ للمُجَاهِدِ في سَبِيلهِ إنْ تَوَّفَاهُ، أن يُدْخِلَهُ الجَّنَةَ أو يُرْجِعَهُ سَالِماً مَعَ أجْرٍ أو غَنِيمة»². وقوله وقد سأله رجل قائلا: دلني على عمل يعدل الجهاد: فقال:« لا أجِـدُ» ثُّمَ قال: « هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُوم ولا تَفتُرَ و تَصُومَ ولا تُفْطِر؟» قال: ومن يستطيع ذلك؟!. وقوله:« وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لا يُكَلِمُ ‹أي لا يُجرحُ› أَحَدٌ في سبيل الله –والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكلَمُ في سَبِيلِهِ- إلا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ واللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ والرِّيحُ رِيحُ الْمِسْك»-4-.  وقوله : « مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُوا وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزوِ مَاتَ عَلَى شُعَبَةٍ من النّفاقِ»-5-. وقوله : « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَوْلاَ أنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤمِنِينَ لا تَطِيبُ أنْفُسُهُمْ أَن يَتَخَلَفُوا عَنِّي و لا أَجِدُ مَا أحْمِلُهُمْ عَلَيْه مَا تَخَلَّفَتُ عَنْ سََرِيَّة تَغْدُو في سَبِيل الله، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَوَدَدْتُ أَنْ أُقْتَلَ في سَبِيل الله، ثُّمَ أَحْيَا ثُّمَ أُقْتَل، ثُّمَ أَحْيَا ثُّمَ أُقْتَل»-6-. وقوله : « ما اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ الله فَمَسَّتْهُ النَّارُ»-7-. وقوله : « مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُ أَنْ يَرْجِعَ إلىَ الدُّنْيَا وَلَهُ مَا على الأرْضِ مِنْ شَيْءٍ، إلاَ الشَّهِيدَ يَتَمنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُنْيَا فَيُقْتَلَ عَشَرَ مَرَاتٍ لِماَ يَرَى مِنَ الكَرَامَة»   -8-.

 

المادّة الثالثة: في الرِّباط؛ وَ حُكْمِهِ وَبَيَانِ فَضلِهِ:

1.  تعريفه: الرباط هو مربط الجيوش الإسلامية بسلاحها وعتادها الحربي في أماكن الخطر والثغور الّتي يمكن للعدّو أن يدخلها، أو يهاجم المسلمين وبلادهم منها.

2.  حكمه: الرِّباط واجب كفائيٌّ كالجهاد، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وقد أمر الله تعالى به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:200].

3.  فضله: الرّباط من أفضل الأعمال وأعظم القرب، قال فيه رسول الله: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُنْيَا وَ مَا عَلَيْهَا»-9-. وقال:«كُلُّ المَيت يُخْتَمُ عَلى عَمَلِهِ، إلاَّ المُرَابِطَ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَة، وَ يُؤَمَّنُ مِنً فتَّانِ القَبْرِ»-10-.فّتَّانُ القبر المراد بهما مُنكر ونَكير. وَ قال:« حَرَسُ لَيْلة في سَبِيل الله خَيْرٌ مِنَ أَلْفُ لَيْلَة يُقَامُ لَيْلَهَا وَ يُصَامُ نَهَارُهَا»-11-. وَقَل:«حُرِّمَت النَّارُ عَلىَ عَيْنٍ سَهَرَتْ فِي سَبِيلِ الله»-12- وقال :«مَنْ حَرَسَ وَرَاءَ المُسْلِمِينَ مُتَطَوِّعاً لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنِهِ إلا تَحَلَّةَ القَسَمِ»-13-. وقال  للأنس بن أبي مِرثَدٍ الغَنَوِيِّ وقد أمره أن يحرس المعسكر ليلا، فلمّا أصبح جاءه فقال له:«هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟» فقال أنس: لا، إلا مصليا أو قاضيا حاجة، فقال له: « قَدْ أَوْجَبْتَ الجَنَةَ فَلا عَليْكَ ألآَّ تَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَهَا»-14-.

1-رواه البخاري[4/18]. ورواه مسلم[34] كتاب الإمارة.

2-رواه النسائي[6/17،18]. رواه البخاري [3/18]. رواه مسلم [110] كتاب الإمارة.

3-رواه النسائي في الجهاد[15]،رواه البخاري[3/18].

4-رواه البخاري [4/22].

5-رواه أبو داود[2502]. و رواه النسائي [6/7]. ورواه الإمام أحمد [2/374].

6-رواه البخاري[9/102].

7-رواه البخاري [4/25].

8-رواه البخاري [3/26].

9-رواه البخاري [4/43]. ورواه الترميذي [1224،1226]. ورواه الإمام أحمد [1/62، 25،75].

10-رواه أبوداود [3/9] برقم 2500 و الترميذي [1621].

11-رواه إبن ماجة [2770]. ورواه الحاكم [2/81]. ورواه الطبراني في المعجم الكبير [1/48].

12-رواه الإمام أحمد [4/135]. ورواه الدارمي [2/203].

13-رواه الإمام أحمد [3/437] وهو صحيح الإسناد.

14-رواه أبو داود في الجهاد [17]. ورواه الحاكم [2/84]. ومعنى أوجبت: عمل عملاً أوجب لك الجنة.

 

 

المادة الرابعة:في وُجُوبِ الإعْدَادِ للجِهَادِ:

الإعداد للجهاد يكون بإحضار الأسباب وإيجاد العتاد الحربيِّ بكافة أنواعه و هو فرض كالجهاد نفسه، غير أنه مقدَّم عليه وسابق له، قال تعالى:﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾[الأنفال:20].

وقال عقبة بن عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله على المنبر يقول:« وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ألا إنَّ القُوَّة الرَّميُ، ألا إنَّ القُوَّة الرَّميُ، ألا إنَّ القُوَّة الرَّميُ » ٰ . وقال:« إنَّ الله عزَّ وَ جَلَّ يُدخِلُ بِالسَّهْمِ الوَاحِدِ ثَلاَثَةَ نَفَر الجَنَّة: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَ الرَّاميَ بِهِ، وَ مُنَبِّلَهُ، وارمُوا واركَبُوا و أنْ تَرْمُوا أحَبَّ إِليَّ مِنْ أَنْ تَركَبُوا، لَيْسَ اللَّهْوُ إِلاَّ فِي ثَلاَثَة: تَأدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَ مُلاَعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَ رَمْيُهُ بِقَوْسِهِ أَو نَبْلِهِ»².

وبناء على هذا وجب على المسلمين سواء كانوا دولة واحدة أو دولا شتّى أن يعدّوا من السّلاح و يهيّئوا من العتاد الحربيّ ويدربّوا من الرّجال على فنون الحرب و القتال ما يمكَّنهم لا من ردِّ هجمات العدّو فحسب، بل في الغزو في سبيل الله للإعلاء كلمة الله ونشر العدل والخير والرحمة في الأرض.

كما وجب أيضا على المسلمين أن يكون التّجنيد إجباريا بينهم.فما من شابّ يبلغ الثامنة عشرة من العمر إلا يضطرّ لإلى الخدمة العسكرية لمدة سنة ونصف، يحسن خلالها سائر فنون الحرب والقتال، ويسجل بعدها اسمه في ديوان الجيش العامِّ، ويكون بذلك مستعدا لداعي الجهاد في أيّة لحظة يدعوه فيها، ومع صلاح نيّته قد يجرى له عمل المرابط في سبيل الله، ما دام اسمه في ذلك الدّيوان العامّ، كما يجب على المسلمين أن يعدّوا من المصانع الحربيّة المنتجة لكلّ سلاح وجد في العالم، أو يجدُّ فيه، ولو أدّى ذلك بهم إلى ترك كلّ ما ليس بضروري من المأكل و المشرب والملبس والمسكن. الأمر الّذي يجعلهم يقومون بواجب الجهاد ويؤدّون فريضته على أحسن الوجوه و أكملها، وإلا فهم آثمون و عرضة لعذاب الله في الدّنيا وفي الآخرة.

 

المادة الخامسة: في أركَانِ الجِهَادِ:

للجهاد الشّرعي المحقّق لإحدى الحُسنيَين: السِّيادة أو الشَّهَادة، أركان هي:

1.  النيّة الصالحة، إذ الأعمال بالنّيّات، والنيَّة في الجهاد أن يكون الغرض منه إعلاء كلمة الله تعالى لا غير، فقد سُئِل رسول الله عن الرّجل يقاتل حميّة، ويقاتل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: « مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَتَ الله هِي العُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله»³ .

2.  أن يكون وراء إمام مسلم وتحت رايته وبإذنه، فكما لا يجوز للمسلمين، وإن قلّ عددهم، أن يعيشوا بدون إمام، لا يجوز لهم أن يقاتلوا بغير إمام، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾[النساء:59]، وبناء على هذا فإنّه يجب على أيّة مجموعة من المسلمين تريد أن تجاهد غازية في سبيل الله تعالى, لتتحرّر وتتخلّص من قبضة الكافر أن تبالغ أوّلا رجلا منها تتوفر فيه أغلب الشروط الإمامة من علم وتقوى وكفاية، ثُّم تنظِّم صفوفها، وتجمع أمرها وتجاهد بألسنتها و أموالها و أيديها، حتى يكتب الله لها النََصر.

3.  إعداد العدّة، و إحضار ما يلزم للجهاد من سلاح وعتاد ورجال في حدود الإمكان, مع بذل كامل الاستطاعة، و استفراغ الجهد في ذلك لقوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾[الأنفال:20].

 

 

 

ٰ-رواه أبو داود[2514].

²-رواه النسائي [6/226]. ورواه الإمام أحمد[4/146، 148]. ورواه الحاكم [2/95].

³-رواه البخاري [3/42]. ورواه مسلم [149، 150] كتاب الإمارة. ورواه الترميذي [1646].

 

 

4.  رضا الأبوين، وإذنهما لمن كان له أبوان أو أحدهما، لقوله  للرّجل الّذي استأذنه في الجهاد: « أَحَيٌّ وَالِدَيْكَ؟» قال: نعم قال:« فَفِهماَ فَجَاهِدْ» ٰ. إلا إذا داهم العدوّ القرية، أو عيّن الإمام الرَّجل، فإنَّه يسقط إذن الأبوين.

5.  طـاعة الإمـام، فمن قاتل وهو عاص للإمام ومات، فقد مات ميتةً جاهليةُ، لقوله:« مَنْ كَرِه مِنْ أَمِيرٍ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ من السُّلطان شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إلاَ مَاتَ مَيتَةًَ جَاهِلِيَةً»².

 

المادَّة السّادسة: فِيمَا يَلْزَمُ لِخَوْضِ المَعْرَكَةِ:

 لابد للمجاهد عند خوض المعركة من توفّر الأحوال الآتية:

1.  الثّبات والإستماتة حال الزّحف،إذ حرّم عزّ وجلّ الانهزام أمام العدّو حال الزّحف، بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ﴾[الأنفال:15]، وهذا فيما إذا كان عدد الكفّـار لا يزيد على ضعفي عدد المسلمين، فإن زاد بأن قاتل رجل من المسلمين ثلاثة من الكفّار فأكثر مثلا فلا يحرم الانهزام. كما أنّه من انهزم قصد مخادعة الكفّار لينقضّ عليهم. أو انهزم لينحاز إلى فئة المسلمين لا يعدّ منهزما ولا إثم عليه، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾[الأنفال:16].

2.  ذكر الله بالقلب واللّسان، استمدادا للقوّة من الله تعالى بذكر وعده وعيده وولايته ونصرته، فيثبت بذلك القلب ويربط الجأش³ .

3.     طـاعة الله وطـاعة رسوله، بعدم مخالفة أمرهما و لا ارتكاب نهيهما.

4.  تـك النِّزاع والخـلاف،لدخول المعركة صفا واحدا لا ثلمة فيه ولا ثغرة، قلوب مترابطة و أجساد متراصّة كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا.

5.  الصّـبر و المـصابرة، والاستماتة في خوض المعركة حتّى ينكشف العدوّ و تنهزم صفوفه. قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ «45» وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ «46»﴾[الأنفال:45، 46].

 

المادّة السابعة: في آداب الجهاد:

للجهاد آداب تجب مراعاتها، فإنها عوامل النصر فيه، و هي:

1.  عدم إفشاء سر الجيش و خططه الحربيّة، فقد كان رسول الله إذا أراد الخروج إلى غزوة ما ورّى بغيرها [كما ورد في الصّحيح].

2.  استعمال الرّموز والشّعارات و الإشارات بين أفراد الجيش، ليعرف بها بعضهم بعضا في حال اختلاطهم بالعدوّ أو قربهم من مكانه، فقد قال: «إنْ بَيَّتَكُمُ العَدُوُّ فَقُولُوا: حَمْ لا يُنصَرُون» وكان شعار سريّة غزت مع أبي بكر ‹أمتْ أمتْ›-4-.

3.  الصّمت عند خوض المعركة، إذ اللّغط والصّراخ يسببان الفشل بتبديد القوى وتشتّت الفكر، لما روى أبو داود أنَّ أصحاب الرسول كانوا يكرهون الصّوت عند القتال.

4.  اختيار الأماكن الصّالحة للقتال، وترتيب المقاتلين، واختيار المكان والزّمان لشنِّ الهجوم على العدوّ، إذ كان  من هديه في الحروب اختيار المكان والزّمان لشنِّ المعارك.

 

 

 

ٰ-رواه البخاري [4/81]. ورواه مسلم [5] كتاب البر والصلة.

²-رواه البخاري [9/59]. ورواه مسلم [506] كتاب الإمارة.

³-الجأش: النّفس، وقيل القلب. ورجل رابط الجأش: يربط نفسه عن الفرار يكفها لجرأته وشجاعته.

4-رواه الترميذي في صحيحة. وهو صحيح. و أَمِتْ: فعل أمر من مات يموت.

 

5.دَعوة الكفّار، قبل إعلان الحرب عليهم أو مهاجمتهم، إلى الإسلام أو الاستسلام بدفع الجزية، فإن أبوا فالقتال، إذ كان  إذا بعث أميرا على سريّة أو جيش أوصاه الله في خاصّة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا، وقال:«إِذَا لَقِبْتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينِ فادعُهُم إِلَى إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ، فأيّتُها أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فاقبَلْ مِنْهُمْ، وَ كُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُم إِلَى الإِسْلاَمِ، فإِنْ أَجَابُوكَ فاقبَلْ مِنْهُمْ، وَ كُفَّ عَنْهُم، فَإِنْ أَبَوا فادْعُهُمُ إِلَى إِعْطَاءِ الجِزْيَةِ، فإِنْ أَجَابُوكَ فاقبَلْ مِنْهُمْ، وَ كُفَّ عَنْهُم، فَإِنْ أَبَوا فاسْتَعِنْ بالله وَ قَاتِلْهُم » ٰ.

6. عدم سرقة الغنائم وعدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان إن لم يشاركوا في القتال، فإن قاتلوا قتلوا، لقوله لأمرائه:« انْطَلِقُوا باسْمِ الله و بـالله وَعَلَى مِلَّةِ رّسُولِ الله وَ لاَ تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانِياً و لاَ طِفْلاً ولاَ صَغِيراُ ولاَ امرأة ولاَ تغُلُّوا وّضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ و أَصْلِحُوا و أَحْسِنُوا، إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ »².

7. عدم الغدر بمن أجاره مسلم وأمّنه على حياته، لقوله:«لا تَغْدُرُوا»³ . وقوله:«إِنَّ الغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقالُ: هَذِهِ غُدْرَةُ فُلاَنْ ابن فُلاَنْ»-4-.

8. عدم إحراق العدوّ بالنّار، لقوله :«إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَناً فَاقتُلُوهُ و لا تُحْرِقُوهُ بالنَّارِ فَإِنَّهُ لا يُعَذَّبُ بالنَّارِ إلا رَّبُّ النَّار»-5-.

9. عدم المثلة بالقتلى، لقول عمران بن حصين: ‹كان رسول الله يحثّنا على الصّدقة و ينهانا عن المثلة›-6-. ولقوله:«أَعَفُّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهلُ الإيمَانِ»-7-.

10. الدُّعاء بالنّصر على الأعداء، إِذْ كان يقول بعد التّعبئة للمعركة:« اللَّهُمَ مُنَزِلَ الكتَابِ وَ مُجري السَّحابِ وَ هَازِمَ الأحْزَابِ، اهزِمهُمْ و انصُرنا عَلَيْهم»-8-. وقوله:«ثنتَانِ لا تُرَدَّانِ أَو قَلَّمَا تُرَدَّان، الدُّعَاءُ عِندَ النِّداءِ وَ عِنْدَ البَأسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً»-9-.

 

المادّة الثامنة: في عَقدِ الذِّمَّةِ، وَ أحكَامِهَا:

         أ‌-        عَقْدُ الذِّمَّة:

عقد الذِّمّة هو تأمين من أجاب المسلمين إلى دفع الجزية من الكفّار، وتعهّد المسلمين بالتزام أحكام الشريعة الإسلامية في حدود كالقتل والسرقة والعِرض.

      ب‌-      من يتولى عقد الذّمّة:

يتولى عقد الذّمّة الإمام أو نائبه من أمراء الأجناد فقط, أمّا غيرهما فليس له الحقّ في ذلك، بخلاف الإجارة و التأمين، فإنّه لكلّ مسلم ذّكرا أو أنثى أن يجير و يؤمِّن، إذ قد أجارت أمّ هانئ بنت أبي طالب رجلا من المشركين يوم فتح فأتت الرسول  فذكرت له ذلك فقال:«قَد أَجَرْنَا مَن أَجَرْتِ و أمَّنَّا من أمَّنْتِ يا أُمَّ هانئٍ»-10-.

      ت‌-      تمييز أهل الذّمّة من المسلمين:

يجب أن يتميّز أهل الذّمّة من المسلمين في لباس ونحوه ليعرفوا، وآلا يدفنوا في مقابر المسلمين، كما لا يجوز أن يقام لهم ، و لا أن يُبتدءوا بالسّلام، و لا أن يتصدّروا في المجالس، لقوله : « لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلاَمِ فَإِذَا لَقِيْتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ»-11-.

 

1-رواه مسلم [3] كتاب الجهاد.

2-رواه أبو داود [2614].

3-رواه الإمام أحمد [5/358].

4-رواه البخاري[8/51]. ورواه مسلم [10] كتاب الجهاد. ورواه الترميذي[1581]. ورواه أبو داود[3756].

5-رواه البخاري في صحيحه.

6-رواه أبو داود [2667] بسند صحيح.

7-رواه أبو داود [2666] بسند جيد.

8-رواه البخاري[4/53، 66]. ورواه المسلم[20/21، 22] كتاب الجهاد. ورواه الترميذي[1678]. ورواه أبو داود [2622].

9-رواه أبو داود [2540] بسند صحيح.

10-رواه البخاري [1/100]،[4/122]،[8/42].

11-رواه مسلم [4] كتاب السلام.

      ث‌-      مايمنع منه أهل الذّمّة:

يمنع أهل الذّمّة من أمور،منها:

1.     بناء الكنائس أو البيع، أو تجديد ما انهدم، لقوله:« لاَ تُبْنَى الكَنِيسَةُ فِي الإِسْلاَمْ، وَلاَ يُجَدَّدُ مَا خَرِبَ مِنْهَا» ٰ.

2.     تعلية بناء منزله على منازل المسلمين، لقوله:«الإِسْلاَمُ يُعْلُو وَ لاَ يُعْلَى عَلَيْهِ»² .

3.  التّظاهر أمام المسلمين بشرب الخمر وأكل الخنزير، أو الأكل والشرب في نهار رمضان، بل عليهم أن يستخفوا بكلّ ما هو محرم على المسلمين خشية أن يفتنوا المسلمين.

 ج- ما ينتقض به عقد الذّمّة:

     ينتقض عقد الذّمّة بأمور، منها:

1.     الامتناع من بذل الجزية.

2.     عدم التزامهم بأحكام الشّرع الّتي كانت شرطاً في العقد.

3.     تعدّيهم على المسلمين بقتل، أو قطع طريق، أو تجسّسٍ، أو إيواء جاسوس للعدوِّ، أو زنى بمسلمة.

4.     أن يذكروا الله ورسوله  أو كتابه بسوء.

د- ما للأهل الذّمة:

لأهل الذّمّة على المسلمين حفظ أرواحهم و أموالهم وأعراضهم و عدم أذيّتهم ما وفّوا بعهدهم فلم ينكثوه، لقوله:« مَن أَذَى ذمِّياً فأنا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيَامَة»³ . فإن هم نكثوا عهدهم ونقضوه بارتكاب ما من شأنه نقض العهد حلّت دماؤهم و أموالهم. دون نسائهم و أولادهم، إذ لا يؤخذ المرء بذنب غيره.

 

المادّة التاسعة: في الهدنة، والمعاهدة، والصّلح:

         أ‌-  الهُـدْنَـة:

يجوز عقد الهدنة مع المحاربين، إذا كان في ذلك تحقيق مصلحة محقّقة للمسلمين، فقد هادن  في حروبه كثيرا من المحاربين، ومن ذلك مهادنته ليهود المدينة عند نزوله بها، حتّى نقضوها وغدروا به  ، فقاتلهم و أجلاهم عنها.

       ب‌-المُـعَاهَـدةُ:

يجوز عقد معاهدة عدم اعتداء وحسن جوار بين المسلمين و أعدائهم، إذا كان ذلك محقِّقاً لمصلحة راجحة للمسلمين، فقد عقد رسول الله  المعاهدات وكان يقول:« نَفِي لَهُم بِعَهْدِهِمْ، وَ نَسْتَعِينُ الله عَلَيْهِم»-4-.

قال تعالىٌ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة:7]. وحرّم رسول الله قتل المعاهد فقال: « مَن قَتَلَ مُعَاهِداً لَم يَرِح رَائِحَةَ الجَنَّةِ»-5-. وقال :«إِنِّي لا أَخِيسُ بِالعَهدِ ولاَ أَحْبِسُ البُردَ»-6-.

       ت‌-الصُّـلـحُ:

يجوز للمسلمين أن يصالحوا من أعدائهم من شاؤا، إذا اضطرُّوا إلى ذلك، وكان الصّلح يحقِّق لهم فوائدة لم يحصلوا عليها بدونه، فقد صالح النبِّيُّ أهل مكّة صلح الحديبية، كما صالح أهل نجران على أموال يؤدُّونها، وصالح أهل البحرين على أن يدفعوا له جزية معيّنة، وصالح أُكَيْدِرَ دُومَةَ-7- فحقن دمه على أن يدفع الجزية.

 

1-أورده صاحب المغني ونَيْلُ الأوطارِ، ولم يُعِلاَهُ.

2-رواه البيهقي في السنن الكبرى[6/205].

3-الخطيب في تاريخه [8/379]عن ابن مسعود بإسناد حسن.

4- رواه الحاكم في المستدرك[3/379].

5-رواه البخاري [9/16].

6-رواه أبو داود في الجهاد[162]. رواه الإمام أحمد [6/8]. ورواه الحاكم [3/598]. ومعنى لا أخيس: أي لا أنقضُ العهد. والبُرْدُ: الرسل.

7-أكيدر عربي غساني، وفي هذا دليل على أن الجزية تؤخذ من غير أهل الكتاب كما هو مذهب مالك رحمه الله.

 

 

المادّة العاشرة: في قِسْمَةِ الغَنَائِمِ، وَالفَيءِ، وِ الخَرَاجِ، والجِزيَةِ، والنَّفلِ:

         أ‌-        قِسْـمَةُ الغـَنَائِم:

الغنيمة هي المال الّذي يُملك في دار الحرب.

وَحُكْمُهُ: أن يُخمَّس فيأخذ الإمام خُمسَهُ فيتصرَّف¹ فيه بالمصلحة للمسلمين. و يقسِّم الأربعة الأخماس الباقية على أفراد الجيش الّذين حضروا المعركة، سواء من قاتل أو لم يقاتل، لقول عمر رضي الله عنه: ‹ الغنيمة لمن شهد الواقعة›². فيعطى الفارس ثلاثة أسهم، والرَّاجِلُ سهما واحدا، قال تعالى:﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾  [الأنفال:41].

تَنْبِيهٌ: يشارك الجيش سراياه في الغنيمة، و إذا أرسل الإمام سَرِيَّة من الجيش فغنمت شيئاً، فإنّه يُقَسَّمُ على سائر أفراد الجيش، ولا تختصُّ به السَّريَّة وحدَها.  

      ب‌-      الفـَيءُ:

الفيءُ، هو ما تاركه الكفّار والمحاربون من أموال وهربوا عليه قبل أن يداهموا ويقاتلوا.

وَحُكمُهُ: أنّ َالإمام يتصرّف فيه بالمصلحة الخاصّة والعامّة للمسلمين كالخُمس من الغنائم. قال تعالى:    ﴿ مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾[الحشر:7].

      ت‌-      الخـَرَاجُ:

الخراج هو ما يضرب على الأراضي الّتي احتلّها المسلمون عنوةً؛ فإن الإمام مخيَّرٌ عند احتلاله أرضاً بالقوّة بين أن يقسمها بين المقاتلين وبين أن يوقفها على المسلمين، ويضرب على من هي تحت يده من مسلم وذمِّيٍّ خراجاً سنوياً مستمراً ينفق بعد جباته في صالح المسلمين العامّ، كما فعل عمر رضي الله عنه فيما فتحه من أرض الشّام، والعراق و مصر (في الصّحيح).

تَنْبِيهٌ: لو صالح الإمام العدوّ على خراج معيّنٍ من أرضهم، ثمّ أسلم أهل تلك الأرض، فإنَّ الخراج يسقط عنهم لمجرّد إسلامهم بخلاف ما فتح عنوة ³، فإنّه و إن أسلم أهله فيما بعد، يستمرّ مضروبا على تلك الأرض.

       ث‌-      الجـِزْيـَةُ:

الجِزْيَةُ: ضريبة مالية تؤخذ من أهل الذّمّة نهاية الحول وقدرها ممّن فتحت  بلادهم عنوة أربعة-4- دنانير ذهباً، أو أربعون درهماً فضَّةً، تؤخذ من الرّجال البالغين دون الأطفال والنِّساء، وتسقط على الفقير المعدم والعاجز عن الكسب من مريض وشيخ هرم، أمّا أهلُّ الصُّلح فيؤخذوا منهم ما صَالَحُوا عليه وبإسلامهم تسقط عليهم كافّة، وحكم الجزية أنّها تصرف في المصالح العامّة. والأصل فيها قوله تعالى:﴿ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾[التوبة:29].

      ج‌-      النّـَفـل:

النَّـفل: ما يجعله الإمام لمن طلب إليه القيام بمهّمة حربيّة، فيعطيهم زيادة على سهامهم شيئاً من الغنيمة بعد إخراج خمسها، على أن لا يزيد النّفل على الرُّبْعِ، إذا كان إرسالهم عند دخول أرض العدوّ، و لا على الثّلث إن كان بعد رجوعهم منها لقول حبيب بن مسلمة:‹ شَهِدتُ رسول الله  نَفَلَ الرُّبع في البداية، ثم الثّلث في الرّجعة›-5-.

 

1-كون الإمام يتصرف في الخمس هو مذهب مالك ورجحهم شيخ الإسلام ابن تيمية وكذا الشيخ ابن كثير رحمهم الله تعالى.

2-أورده الزيلعي في نصب الراية [3/408].

3-عنوة: بالحرب و القتال، لا بصلح و ما هاودة.

4-و يجوز نقصها إلى دينار، أو عشرة دراهم بحسب الحال غني و فقيرا، فقد أخذ رسول الله-- من أهل اليمن ديناراً، وأخذ من أهل الشام دنانير.

5-رواه أبو داود[2750]. ورواه ابن ماجة [2852].

 

المادّة الحادية عشرة: في أسرى الحرب:

اختلف أهل العلم من المسلمين في حكم أسرى الحرب من الكافرين هل يُقتَلُونَ، أو يفادون، أويمنّ عليهم، أو يسترقّون؟ وسبب خلافهم ورود الآيات مجملة في هذا الباب، ومن ذلك قوله تعالى:﴿ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾[محمد:4]، فهذه الآية الكريمة تخيّر الإمام بين أن يمنَّ على الأسرى فيطلق سراحهم بدون فداء أو يفاديهم بما يشاء من مال أو سلاح أو رجال. وقوله تعالى:﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة:5]. قاضية بقتل المشركين دون أسرهم ليمنّ عليهم أو يفادوا. غير أنَّ الجمهور يرى أنَّ الإمام مخيّر بين القتل والمفاداة والمنِّ والاسترقاق بما يراه في صالح المسلمين إذ ثبت في صحيح أنَّ رسول اللهقتل بعض الأسرى، وفادى آخرين، ومنّ على بعض آخر تصرّفاً بما يحقِّق المصلحة العامّة للمسلمين.

اللّهٌمَ صَلِّ عَلىَ نَبِّينَا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَ صَحْبِهِ وَ سَلَّم.